فخر الدين الرازي
364
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
عن ذلك العمل ، ثم أعاد تعالى قوله : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ فقيل المراد من هذه الكلمة فيما تقدم أحوال الدنيا ، وفي هذه الكلمة أحوال القيامة ، وعلى هذا التقدير فالتكرير زائل ، وقيل إن المراد من التكرير المبالغة في التهديد والتهويل ، ثم إنه تعالى ختم السورة بخاتمة شريفة جامعة لكل المطالب العالية ، وذلك لأن أهم المهمات للعاقل معرفة أحوال ثلاثة فأولها معرفة إله العالم بقدر الطاقة البشرية ، وأقصى ما يمكن عرفانه من صفات اللّه تعالى ثلاثة أنواع أحدها : تنزيهه وتقديسه عن كل ما لا يليق بصفات الإلهية ، وهو لفظة سبحان وثانيها : وصفه بكل ما يليق بصفات الإلهية وهو قوله : رَبِّ الْعِزَّةِ فإن الربوبية إشارة إلى التربية وهي دالة على كمال الحكمة ، والرحمة والعزة إشارة إلى كمال القدرة وثالثها : كونه منزها في الإلهية عن الشريك والنظير ، وقوله : رَبِّ الْعِزَّةِ يدل على أنه القادر على جميع الحوادث ، لأن الألف واللام في قوله : الْعِزَّةِ تفيد الاستغراق ، وإذا كان الكل ملكا له وملكا له لم يبق لغيره شيء ، فثبت أن قوله : سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ كلمة محتوية على أقصى الدرجات وأكمل النهايات في معرفة إله العالم والمهم الثاني : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف ينبغي أن يعامل نفسه ويعامل الخلق في هذه الحياة الدنيوية . واعلم أن أكثر الخلق ناقصون ولا بد لهم من مكمل يكملهم ، ومرشد يرشدهم ، وهاد يهديهم ، وما ذاك إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وبديهة الفطرة شاهدة بأنه يجب على الناقص الاقتداء بالكامل ، فنبه على هذا الحرف بقوله : وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ لأن هذا اللفظ يدل على أنهم في الكمال اللائق بالبشر فاقوا غيرهم ، ولا جرم يجب على كل من سواهم الاقتداء بهم والمهم الثالث : من مهمات العاقل أن يعرف أنه كيف يكون حاله بعد الموت . واعلم أن معرفة هذه الحالة قبل الموت صعبة ، فالاعتماد فيها على حرف واحد ، وهو أنه إله العالم غني رحيم ، والغني الرحيم لا يعذب ، فنبه على هذا الحرف بقوله : وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وذلك لأن استحقاق الحمد لا يحصل إلا بالإنعام العظيم ، فبين بهذا كونه منعما ، وظاهر كونه غنيا عن العالمين ، ومن هذا وصفه كان الغالب منه هو الرحمة والفضل والكرم ، فكان هذا الحرف منبها على سلامة الحال بعد الموت ، فظهر بما ذكرنا أن هذه الخاتمة كالصدفة المحتوية على درر أشرف من دراري الكواكب ، ونسأل اللّه سبحانه وتعالى حسن الخاتمة والعافية في الدنيا والآخرة . تم تفسير هذه السورة ضحوة يوم الجمعة السابع عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستمائة والحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله وصحبه وأزواجه وذرياته أجمعين .